ابن كثير

44

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

طريق القاسم بن محمد عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل ، عن جده ، عن جابر بن عبد اللّه قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه ، ولكن القاسم هذا متروك الحديث ، وجده ضعيف ، واللّه أعلم . ويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد فيغسله مع ذراعيه لما روى البخاري ومسلم من حديث نعيم المجمر ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل » « 1 » وفي صحيح مسلم عن قتادة عن خلف بن خليفة ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : سمعت خليلي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء » « 2 » . وقوله تعالى وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ اختلفوا في هذه الباء : هل هي للإلصاق ؟ وهو الأظهر ، أو للتبعيض ؟ وفيه نظر ، على قولين . ومن الأصوليين من قال : هذا مجمل فليرجع في بيانه إلى السنة ، وقد ثبت في الصحيحين من طريق مالك عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه أن رجلا قال لعبد اللّه بن زيد بن عاصم ، وهو جد عمرو بن يحيى ، وكان من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتوضأ ؟ فقال عبد اللّه بن زيد : نعم فدعا بوضوء فأفرغ على يديه ، فغسل يديه مرتين مرتين ، ثم مضمض واستنشق ثلاثا ، وغسل وجهه ثلاثا ، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين ، ثم مسح رأسه بيديه ، فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ، ثم ذهب بهما إلى قفاه ، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه ، ثم غسل رجليه « 3 » . وفي حديث عبد خير عن علي في صفة وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نحو هذا ، وروى أبو داود عن معاوية والمقداد بن معديكرب في صفة وضوء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مثله ، ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس ، كما هو مذهب الإمام مالك وأحمد بن حنبل لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن . وقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس ، وهو مقدار الناصية ، وذهب أصحابنا إلى أنه إنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح ولا يقدر ذلك بحد ، بل لو مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه ، واحتج الفريقان بحديث المغيرة بن شعبة قال : تخلف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فتخلفت معه ، فلما قضى حاجته قال : هل معك ماء ؟ فأتيته بمطهرة فغسل كفيه ووجهه ، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة ، فأخرج يديه من تحت الجبة ، وألقى الجبة على منكبيه ، فغسل ذراعيه ومسح بناصيته ، وعلى العمامة وعلى خفيه ، وذكر باقي الحديث وهو في صحيح مسلم « 4 »

--> ( 1 ) صحيح البخاري ( وضوء باب 3 ) وصحيح مسلم ( طهارة حديث 34 - 35 ) ( 2 ) صحيح مسلم ( طهارة حديث 40 ) وسنن النسائي ( طهارة باب 109 ) ( 3 ) موطأ مالك ( طهارة حديث 1 ) وفيه : « أنه قال لعبد اللّه بن زيد » في موضع « أن رجلا قال . . . » . ( 4 ) صحيح مسلم ( طهارة حديث 81 ) وسنن النسائي ( طهارة باب 86 )